من الترميم إلى "مسار"

مسيرة العناية السعودية بالمسجد الحرام عبر قرن من الزمن
مقدمة
منذ أن دخل الملك عبدالعزيز آل سعود رحمه الله مكة المكرمة عام 1343هـ، لم يتوقف اهتمام الدولة السعودية بالمسجد الحرام يومًا واحدًا. فما بدأ بترميمات وإصلاحات بسيطة، تحوّل عبر قرن كامل إلى واحدة من أضخم مشاريع التوسعة العمرانية والدينية في التاريخ الإسلامي الحديث، امتدت من حجارة المسجد نفسه إلى شوارع مكة وسككها الحديدية. هذا المقال يوثّق هذه المسيرة الطويلة، من أول ترميم إلى أحدث مشروع عمراني قيد التنفيذ حاليًا.
بداية العناية: عهد الملك المؤسس عبدالعزيز
بعد دخوله مكة المكرمة، أعلن الملك عبدالعزيز رحمه الله البدء في ترميمات شاملة للمسجد الحرام، وشكّل مجلس إدارة خاصًا للحرم. من أبرز أعماله في هذه المرحلة: إنشاء دار لكسوة الكعبة المشرفة بمنطقة أجياد عام 1346هـ، وصناعة باب الكعبة المشرفة من الخشب الجاوي المطعّم بالذهب والفضة عام 1363هـ، وإنشاء مظلة فوق منطقة المسعى لحماية الحجاج من حرارة الشمس عام 1366هـ. كانت هذه الأعمال بمثابة الأساس الذي بُنيت عليه لاحقًا كل التوسعات الكبرى.
التوسعة السعودية الأولى (1375هـ – عهد الملك سعود، وامتدت حتى الملك خالد)
كانت مساحة المسجد الحرام قبل هذه التوسعة نحو 28 ألف متر مربع فقط، تستوعب حوالي 50 ألف مصلٍّ. في الخامس من ربيع الأول عام 1375هـ (1955م)، ألقى الملك سعود رحمه الله خطابه التاريخي معلنًا بدء تنفيذ التوسعة التي كان قد أمر بها والده الملك عبدالعزيز رحمه الله، ووُضع حجر الأساس في 23 شعبان من العام نفسه. استغرق تنفيذ هذه التوسعة قرابة عشر سنوات، ونُفذت على أربع مراحل متتالية امتدت عبر عهود الملك سعود، ثم الملك فيصل، ثم اكتملت في عهد الملك خالد رحمهم الله جميعًا. شملت التوسعة بناء المسعى بطابقيه، وتوسعة منطقة المطاف، ونقل بئر زمزم إلى قبو تحت الأرض، وبناء سبع مآذن ارتفاع كل منها 89 مترًا، إضافة إلى فتح 64 بابًا للحرم أبرزها باب الملك عبدالعزيز وباب العمرة وباب السلام. بعد اكتمالها، أصبح المسجد الحرام يستوعب أكثر من 300 ألف مصلٍّ في الأوقات العادية، وأكثر من 400 ألف في أوقات الذروة.
التوسعة السعودية الثانية (1409هـ – عهد الملك فهد)
مهّد الملك فهد بن عبدالعزيز رحمه الله لهذه التوسعة منذ عام 1403هـ، حين أمر بنزع ملكيات عقارات السوق الصغير غرب المسجد الحرام (بمساحة 30 ألف متر مربع) وتعويض أصحابها. ثم وُضع حجر الأساس رسميًا للتوسعة الثانية عام 1409هـ في الجهة الغربية من الحرم، بين بابي العمرة والملك عبدالعزيز. تكوّن مبنى التوسعة من ثلاثة أدوار شاملة القبو والسطح، بمساحة بناء 76 ألف متر مربع، إضافة إلى ساحات خارجية بمساحة 85,800 متر مربع، ونظام تكييف مركزي شامل. برفع هذه التوسعة، وصلت الطاقة الاستيعابية الإجمالية للحرم إلى 1.5 مليون مصلٍّ وقت الذروة، على مساحة إجمالية بلغت 366 ألف متر مربع، مع إضافة مئذنتين جديدتين ليصبح إجمالي عدد المآذن تسعًا. من إنجازات هذا العهد أيضًا: الترميم الشامل للكعبة المشرفة وتركيب ميزاب من الذهب الخالص عام 1417هـ، وتجديد مقام إبراهيم وكسوة مقصورته بالنحاس والذهب والكريستال عام 1418هـ.
التوسعة السعودية الثالثة (بدأت في عهد الملك عبدالله، وتتواصل في عهد الملك سلمان)
مع استمرار تزايد أعداد الحجاج والمعتمرين، أمر الملك عبدالله بن عبدالعزيز رحمه الله ببدء أكبر مشروع توسعة يشهده المسجد الحرام في تاريخه، شمل تطوير الحرم من مختلف النواحي العمرانية والفنية والأمنية. ومن أبرز إنجازات هذه المرحلة: توسعة المسعى عام 1428هـ (2007م)، التي رفعت طاقته الاستيعابية إلى نحو 118 ألف ساعٍ في الساعة، إضافة إلى تنفيذ أكبر توسعة للمسجد النبوي الشريف في المدينة المنورة على مدى التاريخ، ومشروع مظلات المسجد النبوي.
واصل خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز هذا المشروع، ودشّن خمسة مشاريع رئيسية ضمنه: مبنى التوسعة الرئيسي، ومشروع الساحات، ومشروع أنفاق المشاة، ومشروع محطة الخدمات المركزية للمسجد الحرام، ومشروع الطريق الدائري الأول المحيط بمنطقة المسجد الحرام. ومن أبرز مكونات هذه التوسعة: مبنى جديد للمطاف بمساحة 244 ألف متر مربع، رفع طاقته الاستيعابية من 50 ألف طائف في الساعة إلى 107 آلاف طائف حاليًا، إضافة إلى 180 ألف متر مربع من الساحات الشمالية الإضافية للصلاة، و12 مظلة عملاقة تفتح وتغلق أوتوماتيكيًا فوق منطقة الحصوات بين المسجد القديم والتوسعة الأولى، كل واحدة منها تظلل مساحة 306 أمتار مربعة.
وبحسب آخر البيانات الصادرة عام 2026، بلغت مساحة المسجد الحرام بعد هذه التوسعة نحو 1.7 مليون متر مربع، ترفع طاقته الاستيعابية إلى 1.3 مليون مصلٍّ، على أن تصل الطاقة الاستيعابية الكلية إلى مليوني مصلٍّ عند اكتمال جميع مراحل التوسعة المتبقية. ويأتي هذا العمل الجبار في إطار تحقيق أحد أهداف رؤية المملكة 2030 المتمثل في تهيئة واتاحة استقبال أكثر من 30 مليون معتمر سنويًا.
كسوة الكعبة المشرفة: من الاستيراد إلى الصناعة الوطنية
لم تقتصر العناية السعودية بالمسجد الحرام على حجارته وساحاته فحسب، بل امتدت لتشمل واحدًا من أكثر رموزه قداسة: كسوة الكعبة المشرفة. فحتى مطلع القرن الهجري الماضي، كانت الكسوة تُصنع خارج الجزيرة العربية وتُرسل إليها سنويًا، وكان يُكتب على نص إهدائها اسم الجهة المصنِّعة هناك. لكن هذا الوضع تغيّر بشكل جذري بقرار سعودي تاريخي.
بداية الصناعة الوطنية في عهد الملك المؤسس: في عام 1345هـ (1927م)، وبعد التوقف عن إرسال الكسوة، رأى الملك عبدالعزيز آل سعود رحمه الله ضرورة صناعة كسوة للكعبة المشرفة على وجه السرعة، فصُنعت من الجوخ الأسود الفاخر المبطن بالقماش المتين، وكُتبت آياتها بخيوط الفضة المموهة بالذهب. وفي محرم من العام التالي 1346هـ، أصدر الملك عبدالعزيز أمرًا رسميًا بإنشاء أول دار سعودية متخصصة لصناعة كسوة الكعبة، اختير لها موقع في حي أجياد بمكة المكرمة على مساحة 1500 متر مربع، لتكون بذلك أول مصنع لحياكة كسوة الكعبة في الجزيرة العربية منذ عصر النبوة وحتى ذلك التاريخ.
تجهيز مصنع جرول في عهد الملك سعود: في مطلع الستينيات الميلادية، أمر الملك سعود بن عبدالعزيز رحمه الله بتجهيز مصنع جديد لكسوة الكعبة، وأسند المهمة لأخيه الأمير فيصل (الملك فيصل لاحقًا)، الذي كلّف وزير الحج والأوقاف حسين عرب باختيار مبنى تابع لوزارة المالية في منطقة جرول بمكة المكرمة. وبعد ثلاثة أشهر من العمل، اكتملت أول كسوة تُصنع في هذا المصنع الجديد بالكامل في أغسطس 1962م (1381هـ)، وحملت نص إهداء مغاير تمامًا لما كان سائدًا من قبل: "صُنعت هذه الكسوة في مكة المكرمة وأهداها إلى الكعبة المشرفة خادم الحرمين الشريفين سعود بن عبدالعزيز آل سعود". كان هذا التاريخ بمثابة نقطة تحول رمزية: انتقال صناعة الكسوة بالكامل من الخارج إلى أرض الحرمين.
الانتقال إلى أم الجود والتطوير المستمر: واصل الملك فيصل ثم الملك خالد رحمهما الله دعم هذه الصناعة وتطوير مرافقها، إلى أن انتقل المصنع عام 1397هـ إلى مبناه الجديد والأكبر في منطقة أم الجود بمكة المكرمة، مزوّدًا بأحدث آلات النسيج والحياكة في ذلك الوقت. وفي عهد الملك فهد بن عبدالعزيز رحمه الله، شهد المصنع توسعًا كبيرًا وإدخالًا للأعمال الميكانيكية الحديثة بدل الاعتماد الكلي على الحياكة اليدوية. أما في عهد الملك عبدالله بن عبدالعزيز رحمه الله، فقد جرى تحديث الأنظمة الإلكترونية والمعدات الكهربائية والميكانيكية بالكامل بما يواكب أحدث تقنيات الصناعة.
التسمية الحالية في عهد الملك سلمان: في مايو 2017م، وافق خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز على تغيير اسم المصنع رسميًا إلى "مجمع الملك عبدالعزيز لكسوة الكعبة المشرفة"، تخليدًا لاسم الملك المؤسس رحمه الله الذي وضع حجر الأساس لهذه الصناعة الوطنية قبل قرن من الزمن تقريبًا. ويقع المجمع تحت الإشراف المباشر للرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي منذ عام 1414هـ.
المجمع اليوم: يضم مجمع الملك عبدالعزيز لكسوة الكعبة أقسامًا متكاملة تغطي كل مراحل الإنتاج: قسم الحزام، وقسم خياطة الثوب، وقسم الصباغة، وقسم الطباعة، وقسم النسيج الآلي، وقسم النسيج اليدوي، وقسم المختبرات الفنية، ويعمل فيه أكثر من 200 عامل سعودي مؤهل ومدرّب. تُستخدم في صناعة الكسوة خيوط حريرية خام مستوردة من إيطاليا تُصبغ داخل المجمع، إضافة إلى أسلاك فضية وذهبية خالصة عيار 24 قيراطًا للتطريز، وتستغرق عملية إنتاج الكسوة الواحدة نحو 10 أشهر كاملة، بتكلفة تتجاوز 20 مليون ريال سعودي سنويًا نظرًا لارتفاع قيمة المعادن الثمينة المستخدمة فيها. وإلى جانب كسوة الكعبة الخارجية، ينتج المجمع أيضًا الكسوة الداخلية للكعبة المشرفة، والكسوة الداخلية للحجرة النبوية الشريفة، وأعلام المملكة الرسمية.
بهذا التحول، لم تعد كسوة بيت الله الحرام تُستورد من الخارج، بل أصبحت صناعة وطنية سعودية خالصة، تُحاك بأيدٍ سعودية على أرض مكة المكرمة نفسها، في مشهد يختصر شكل العناية السعودية بالحرمين الشريفين: تولّي كل تفصيلة تخص بيت الله بأعلى درجات الإتقان والسيادة الوطنية.
أحدث مشاريع العناية بمكة: وجهة "مسار"
إلى جانب التوسعة المباشرة للمسجد نفسه، تشهد مكة المكرمة اليوم أحد أضخم المشاريع الحضرية المتكاملة في تاريخها: وجهة مسار، التي تنفذها شركة أم القرى للتنمية والإعمار (المملوكة للمؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية وصندوق الاستثمارات العامة)، تحت إشراف الهيئة الملكية لمدينة مكة المكرمة والمشاعر المقدسة.
يقع المشروع في الجزء الغربي من مكة المكرمة، على بُعد 550 مترًا فقط من ساحات المسجد الحرام، وبمساحة إجمالية تتجاوز 1.2 مليون متر مربع، وباستثمارات بلغت نحو 63 مليار ريال. يضم المشروع 24 ألف وحدة فندقية موزعة على 58 برجًا، و13 ألف وحدة سكنية على 82 برجًا، و19 ألف وحدة شقق فندقية على 59 برجًا، إضافة إلى 318 ألف متر مربع من المساحات التجارية وساحات مفتوحة تتسع لأكثر من 91 ألف زائر. من أبرز الفنادق العالمية المرتقبة ضمن المشروع فندقا كمبينسكي وتاج، وكلاهما بأول فرع لهما في المنطقة.
اكتملت أعمال البنية التحتية للمشروع بنسبة 100%، ومن المقرر أن يبدأ التشغيل الجزئي وافتتاح أولى الفنادق والمرافق التجارية خلال عام 2026، على أن يكتمل المشروع بكامل طاقته بحلول عام 2030. وفي يناير 2026، حصلت وجهة مسار على الشهادة الذهبية لفئة "المجتمعات الخضراء" من المجلس الأمريكي للأبنية الخضراء (USGBC) ضمن معايير التنمية الحضرية المستدامة LEED، تقديرًا لتخطيطها الذي يضع جودة الحياة والاستدامة في صميم تصميمه. كما أعلنت الشركة المطورة مؤخرًا عن مشروعها التطويري الثاني "حدائق مسار"، في خطوة تعكس استمرار التوسع في هذه الوجهة. وفي يونيو 2026، وافق مجلس الوزراء على إدراج مشروع مسار ضمن المناطق المسموح لغير السعوديين بالتملك فيها في مكة المكرمة، ضمن لائحة تنظم عددًا من المواقع الاستثمارية الكبرى في المدينة.
يرتبط مشروع مسار مباشرة ببرنامج جودة الحياة، أحد برامج رؤية المملكة 2030، ويهدف إلى تطوير المدخل الغربي لمكة المكرمة عبر شبكة متكاملة من مسارات الطرق وممرات المشاة، وربطها بشبكة مترو مكة وحافلات نقل متقدمة، بما يرفع من قدرة النقل في المنطقة بنسبة تصل إلى 60%، ويرفع القدرة الاستيعابية لاستقبال الحجاج والمعتمرين إلى 80% من إجمالي القادمين إلى مكة، إلى جانب استيعاب 60% من السيارات القادمة من جدة. ولمشروع مسار ميزة إضافية تربطه مباشرة بمنظومة النقل الوطنية: فهو يقع على بُعد 100 متر فقط من محطة قطار الحرمين السريع.
أحدث إعلان عمراني: مشروع بوابة الملك سلمان
في 23 ربيع الآخر 1447هـ الموافق 15 أكتوبر 2025م، أعلن صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء رئيس مجلس إدارة شركة رؤى الحرم المكي، إطلاق مشروع "بوابة الملك سلمان"، ليكون أحدث إضافة نوعية لمنظومة التطوير العمراني المحيطة بالمسجد الحرام.
يمتد المشروع على مسطحات بناء إجمالية تصل إلى 12 مليون متر مربع، في موقع استراتيجي مباشر بجوار المسجد الحرام، ويهدف إلى تحقيق نقلة نوعية في تطوير البنية التحتية لمدينة مكة المكرمة والمنطقة المركزية بشكل خاص، ليصبح نموذجًا عالميًا يُحتذى به في التطوير العمراني حول المواقع الدينية الكبرى. ومن أبرز ما يميز المشروع أنه يضيف طاقة استيعابية جديدة تصل إلى نحو 900 ألف مصلٍّ إضافي، موزعة بين المصليات الداخلية والساحات الخارجية، مع توفير مرافق سكنية وثقافية وخدمية متكاملة تحيط بالمسجد الحرام مباشرة، وارتباط مباشر بوسائل النقل العام لتسهيل الوصول إليه.
ولم يغفل المشروع البعد التراثي لمكة المكرمة؛ إذ يتضمن تطوير وإعادة تأهيل مساحة تقارب 19 ألف متر مربع من المناطق الثقافية والتاريخية في المدينة، للحفاظ على هويتها العريقة وإثراء تجربة زائريها الثقافية إلى جانب تجربتهم الدينية. وتتولى تطوير المشروع شركة رؤى الحرم المكي، إحدى شركات صندوق الاستثمارات العامة، والتي تركز على الإدارة المستدامة للموارد وتوظيف الحلول المبتكرة في التطوير العقاري وفق أفضل المعايير العالمية.
اقتصاديًا، يرتبط المشروع مباشرة بمستهدفات رؤية المملكة 2030 في التنويع الاقتصادي، إذ من المتوقع أن يسهم في استحداث أكثر من 300 ألف فرصة عمل بحلول عام 2036م، ليكون بذلك أحد أضخم مشاريع التطوير العمراني والاقتصادي المرتبطة بخدمة قاصدي بيت الله الحرام في العصر الحديث.
امتداد الخدمة إلى المواصلات: قطار الحرمين السريع
لم تعد العناية بضيوف الرحمن مقتصرة على مساحة الحرم نفسها، بل امتدت لتشمل منظومة نقل متكاملة تربط المدن المقدسة ببعضها. يُعد قطار الحرمين السريع أبرز مكوّن في هذه المنظومة؛ فهو يمتد على مسافة 453 كيلومترًا عبر خمس محطات رئيسية: مكة المكرمة، والمدينة المنورة، وجدة (محطة السليمانية)، ومدينة الملك عبدالله الاقتصادية، ومطار الملك عبدالعزيز الدولي. يعمل القطار بسرعة تشغيلية تصل إلى 300 كيلومتر في الساعة، ما يجعله من أسرع عشرة قطارات كهربائية في العالم، ويقطع كامل المسافة بين مكة والمدينة خلال ساعتين وربع الساعة فقط، بينما يستغرق الوصول من مطار جدة إلى محطة مكة نحو 50 دقيقة فقط.
شهد القطار مرحلة تشغيل تجريبي بين عامي 2018 و2020 نقل خلالها نحو مليون مسافر عبر 3000 رحلة، قبل أن تنطلق مرحلة التشغيل الفعلي في 31 مارس 2021م، والتي نقلت حتى نهاية عام 2025 أكثر من 30 مليون مسافر. ويُشغَّل القطار حاليًا بأسطول يضم 35 قطارًا كهربائيًا، بسعة 417 راكبًا لكل قطار موزعة على 13 عربة (4 لدرجة الأعمال، و8 للدرجة السياحية، ومقصورة مطعم). وخلال موسم حج 1447هـ وحده، أعدّت شركة الخطوط الحديدية السعودية "سار" خطة تشغيلية شملت أكثر من 5300 رحلة ونحو 2.21 مليون مقعد، بواقع يصل إلى 142 رحلة يوميًا في أوقات الذروة، ونقل القطار خلال هذه الفترة أكثر من 800 ألف راكب عبر أكثر من 3600 رحلة. وبحسب أحدث إحصائيات الهيئة العامة للنقل للربع الأول من عام 2026، استحوذ قطار الحرمين وحده على أكثر من 77% من إجمالي حركة الركاب بين المدن في المملكة، والتي تجاوزت 2.6 مليون راكب خلال تلك الفترة وحدها.
شبكة الطرق والحافلات داخل مكة المكرمة
إلى جانب القطار، طوّرت المملكة شبكة نقل عام داخلية متكاملة عبر مشروع "حافلات مكة"، الذي يغطي حاليًا 12 مسارًا رئيسيًا، ويُشغّل 400 حافلة عبر 431 محطة، تمتد على مسافة إجمالية تبلغ 580 كيلومترًا. ومنذ انطلاق تشغيله، نقل هذا المشروع أكثر من 188 مليون راكب عبر أكثر من 4 ملايين رحلة. وفي يناير 2026، أُطلق مسار جديد يربط المسجد الحرام مباشرة بحي حراء الثقافي الذي يضم معرض الوحي ومتحف القرآن الكريم، في خطوة تعكس التوسع المستمر في دمج البعد الثقافي ضمن تجربة زوار الحرم. كما شمل مشروع التوسعة السعودية الثالثة إنشاء الطريق الدائري الأول المحيط بمنطقة المسجد الحرام مباشرة، لتسهيل حركة المرور وتخفيف الازدحام حول الحرم في أوقات الذروة.
خلاصة: مسيرة متصلة الحلقات
من ترميمات الملك عبدالعزيز، مرورًا بأربع مراحل من التوسعة الأولى، ثم التوسعة الثانية الأكبر في حينها، فالتوسعة الثالثة التي لا تزال قائمة حتى اليوم، وصولًا إلى مشروع "مسار" الحضري العملاق وشبكة قطار الحرمين وحافلات مكة؛ يتضح أن العناية السعودية بالمسجد الحرام لم تكن يومًا مشروعًا منتهيًا، بل مسيرة متجددة تتسع أهدافها كلما اتسعت أعداد قاصدي بيت الله. وكل حلقة من هذه الحلقات، من حجر المسجد إلى قضبان القطار، تصب في هدف واحد جامع رسمته رؤية المملكة 2030: أن يصل ضيف الرحمن إلى بيت الله في أعلى درجات اليسر والراحة والأمان.